في تطور صادم يهز ضمير العالم العربي، كشفت الأرقام الجديدة لبرنامج الأغذية العالمي أن 18 مليون يمني يخلدون للنوم جائعين كل ليلة - عدد يفوق سكان بلدان كاملة بينما تقرأ هذه الكلمات. رغم التحسن الطفيف من 63% إلى 61%، فإن هذا البصيص الضئيل من الأمل قد يكون آخر فرصة قبل أن تتحول أزمة الجوع في اليمن إلى مجاعة كاملة لا رجعة فيها.
فاطمة أحمد، الأم لخمسة أطفال من صنعاء، تروي مأساتها بصوت مختنق: "اضطررت لتقليل وجبات أطفالي من ثلاث إلى وجبة واحدة يومياً". هذه القصة تتكرر في ملايين البيوت اليمنية، حيث أكد التقرير الأممي أن أكثر من ثلث الأسر تعاني حرماناً غذائياً شديداً، مع تسجيل أعلى المعدلات في محافظات البيضاء والضالع وريمة والجوف وحجة. الدكتورة سارة المنصوري، خبيرة التغذية في البرنامج، حذرت قائلة: "الوضع يتطلب تدخلاً عاجلاً وإلا فإننا أمام كارثة إنسانية تاريخية".
عشر سنوات متواصلة من الحرب المدمرة حولت اليمن إلى أكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث، متفوقة في بشاعتها على مجاعة الصومال في التسعينيات التي هزت ضمير العالم. الصراع المسلح دمر البنية التحتية الزراعية، وانهيار العملة المحلية جعل أسعار الغذاء الأساسي ترتفع بنسب جنونية تفوق قدرة الأسر الفقيرة على التحمل. الخبراء يحذرون من أن استمرار الأوضاع الحالية يعني تحول اليمن خلال أشهر قليلة من أزمة غذاء إلى مجاعة كاملة قد تودي بحياة مليون شخص.
في قرى الحديدة النائية، يروي أبو عبدالله، المزارع الذي فقد محصوله بسبب القصف، كيف أصبح صوت بكاء أطفاله الجائعين يطارده في كل لحظة. أطفال بعيون غائرة وبطون منتفخة يتضورون جوعاً بينما أسواق كاملة تخلو من الخضار والفواكه، وطوابير طويلة من النساء والأطفال تنتظر أمام مراكز توزيع المساعدات النادرة. هذا المشهد المأساوي يعني أن جيلاً كاملاً من الأطفال اليمنيين ينمو دون معرفة طعم الشبع، مما ينذر بكارثة صحية واجتماعية ستمتد عقوداً قادمة.
التحسن الطفيف الذي سجله تقرير نوفمبر قد يكون آخر فرصة للمجتمع الدولي والعالم العربي لمنع تحول هذه الأزمة إلى مجاعة تاريخية لا تُنسى. السباق مع الزمن بدأ، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل سنتذكر بعد عقود أننا كان بإمكاننا إنقاذ جيل كامل من أطفال اليمن ولم نفعل، أم سننقذهم قبل أن يصبح الإنقاذ مستحيلاً إلى الأبد؟